|

"الرقادة"
جاء في لسان العرب:
رقد:الرقاد:النوم، والرقدة النومة.ورقد
يرقد رقدا ورقوداورقادا:نام،وقوم
رقد أي رقود،والرقدة همدة،ورقد
الحر: سكن.
ورقاد والرقاد :اسم رجل:
الا
قــل لـلأميــر جزيــت
خيــرا أجرنا من عبيــدة
والـرقـــــاد.
والرقادة أخذت لغــة من معنى
الرقـود والهمـود والسكون، فهي
عيــن يغزر ماؤها ويفيض أيام
الخصب ونزول المطر،وتسكن
وتهمد،وتجف وترقد كلما قل المطر
وانعدم.
جريان مائها وانحباسه متعلق بنزول
المطرعل جبال بني يزناسن الواقعة
الى الجهة الجنوبية منها، ومتعلق
أصلا بجريان وادي "بــورولو"الذي
تتجمع مياهه من هاته الجبال،
وينحدر من الجنوب في اتجاه الشمال
مارا الى الغرب منها على مسافة لا
تتعدى المئتي متر.
وتنطق التسمية عند الناس: عين
الركادة،بدل عين الرقادة ، تخفيفا
وقلبا(قلب القاف كافا مثلثة)وهي
أريح لدىالناطق
والمستمع. والأصل فيها : العين
الرقادة، أو عين رقادة، تعريفا
او انكارا، على ان الركادة صفة
للعين وليست مضافة اليها،صفة
الرقود تخص العين التي تجف وتغور
كلما قل المطر او انعدم، لذا وصفت
العين بالركادة،ولا يصح قول :
عين
الرقادة على ان عين مضاف والرقادة
مضاف اليها،فيصبح المعنى بذلك :
العين التي في ملك الرقادة،كقولنا
مثلا:
كتاب علي أو حقل الفلاح ،فيتغير
بذلك المعنى من الصفة الى الاضافة،
وهو معنى غير سليم.
والأصل في التسمية عربي بشقيه:عين
– الرقادة.مع أن موقعها –كما
سأوضح في ما بعد – يقع وسط أراضي
بني منقوش التي تتحدث الأمازيغية،
وحتى أسماء العيون والأراضي
والأماكن المحيطة بها أمازيغية،فمن
العيون مثلا :
"ثيط
أوجليد" "ثيط نصبيح" ومن الأماكن
:"ثاوريرث أواري""ثيفسوسين""ثانوث".وغيرها
كثير.
والتسمبة هاته قديمة،فقد ذكرها
الناصري وهو يتحدث عن عهد المولى اسماعيل،ونقله لقبائل "الزرارة
والشبانات"
من
حوز مراكش الى المنطقة الشرقية
بعد تماديها هناك في الفتن
والاضطرابات، فقال : أمر السلطان
رحمه الله ان تبنى عليهم قلعةمن
ناحية الساحل قرينة وجدةبالموضع
المعروف بـرقادة(الاستقصا-الناصري-ج
7-ص:61-62)
وفي
قوله بالموضع المعروف بـ"رقادة"تأكيد
على ان الاسم العربي كان معروفا
قبل بناء القلعة
بها.والاسم
" رقادة " صفة لموصوف محذوف وهو
،عين، هذا الموصوف الذي حذف حتى
عند
الناصري
الذي قال:"بالموضع المعروف برقادة"
ولم يقل عين رقادة،ومن هنا يتضح
ان التسمية
اانحرفت
عن اصلها: العين الرقادة،او عين
رقادة الى :عين الرقادة،طلبا
للتخفيف،لتصبح :الرقادة
بعد حذف
الموصوف طلبا لتخفيف اكثر لتنتهي
الى :الركادة،وهو الاسم المستعمل
عند الناس
مختزلا
موجزا مخففا تنطق قافه
گافا.
وتحمل الركادة في الذاكرة
الشعبيةاسما آخر،فقد كنت أسمع
العجائزيسمينها "لالة خضرة"
ويقلن
:لالة خضرة ولية من أولياء
الله،لها بركتها،تزورها النساء
ويتبركن بها ويشعلن
الشموع على جنباتها."
ولعل
البركةوالاعتقاد فيها مردها ا لى
عدم استقرار وضعية العين على حال
واحدة ،قد ينهمر
ماؤها والشمس حارة تلفح
الوجوه،وتجف والأمطار تتساقط على
المنطقة، تغور مياهها لشهور
،وسرعان ما تفور بكيفية مفاجئة،
وقد يقع العكس..
الركادة :الموقع
تقع
عين الركادة في أراضي بني منقوش
الناظرة الى البحر ،في منطلق سهل
تريفة في اتجاه
الشمال،
وقدم جبال بني منقوش اليزناسنية
في اتجاه الجنوب ،اذ نجد ان أقرب
مرتفع لها في
اتجاه
الجنوب كدية "تايبوت" التي تبعد
عنها بحوالي كيلومترين و"الطرشة"
الى الجنوب
الشرقي
منها وتمثل المنطلق الفعلي لجبال
بني يزناسن حيث تبعد عنها
بحوالي ثلاث كيلومترات
تتوسط العين مجرى وادي "بورولو"
المنحدر من جبال بني يزناسن جنوبا
في اتجاه الشمال
والذي
يمر غربها على بعد حوالي 200 متر،
ووادي "قنديلة" المتفرع عنها
والمار شرقها
على
بعد حوالي 600 متر،وتتوسط العين
تقريبا أراضي قبائل "خلاد" الى
الغرب، وأراضي
قبائل "اطغاغط"
الى الشرق.
تقع الى الشرق من عين الركادة،
بلدة "جراوة" على بعد حوالي
كيلومترين، وهي بلدة كثيرة
الآبار،
قديمة في التاريخ، تحدث عنها ابن
عذاري فوصفها بالبلدة الآهلة
بالسكان،الكثيرة الماء
والآبار الواقعة في الجهة
الشمالية لجبال بني يزناسن،مقابلة
للبحر ،مبنية أمام واد تنشط فيه
السفن، وبنيت على عهد الأدارسة.
وقد ذكر جــراوة أبو عبيد البكري
في معرض حديثه عن مراحل السير بين
نكور والقيروان
عبر
المسالك المحاذية للبحـر
فقال ".. وأما الطريق من نكور الى
مدينة القيروان ، فمن نكور
الى بني
يصليتن على نهر تمسمان مرحلة
ومنها الى نهر كرط
مرحلة ، ثم الى قلوع جارة
مرحلة،الى
وادي ملوية مرحلة، الى جراوة
مرحلة...فذلك ست مراحل " (1)
ويذكر
جراوة ايضا ابن عذاري المراكشي
مرة أخرى أثناء حديثه عن قلعة كرط
وقوتها ونفوذها
الذي
كان يمتد الى سهول ملوية ،اذ
نجدهم يستولون على جمال كثيرة
لموسى بن ابي العافية
غداة
تحالفهم مع الحسن ابن ابي
العيش امير جراوة،وكان ذلك بالضبط
سنة 319 هـ."(2)
(...)
الركــادة
القصبــة
يعود بناء
القصبة -القلعة - الى عهد السلطان
العلوي مولاي اسماعيل،والباعث على
ذلك تحقيق الأمن في
المنطقة،والسيطرة على قبائل بني
يزناسن.أورد صاحب الاستقصا أخبارا
مفادها ان عرب زرارة والشبانات
التي كانت تعيث فسادا بأحواز
مراكش،دفع السلطان مولاي
اسماعيل الى اقتلاع جذورها من
المنطقة، ونقلها الى المغرب
الشرقي سنة 1090هـ ، وهم
قوم كروم الحاج من الحوز، وكانوا
يعيثون بتلك النواحي
فسادا،وعرفوا بالظلم والطغيان
والخروج عن الجادة،وقد ظهر ذلك
جليا في ذرية كروم الحاج التي
واصلت طغيانها، وتسلطها
على الأهالي، وسببت للمنطقة كثيرا
من الحروب والفتن. يقول الناصري
متحدثا عن القبيلتين
"فأنزلهم بوجدة ثغر المغرب وكتبهم
في الديوان وولى عليهم أبا البقاء
العياشي بن الزويعر
الزراري، وتقدم اليه في التضييق
على بني يزناسن،اذ كانوا يومـئذ
منحرفين عن الدولة،
ومتمسكين بدعوة الترك،فكان "زرارة
والشبانات" يغيرون عليهم
ويمنعونهم من الحرث
ببسيط انكــاد".
تعددت غارات القبيلتين على
الأهالي ببسيط انكاد، وامتدت الى
سهول تريفة، حيث كانوا ينهبون
مزروعات الأهالي ،ويضايقونهم في
أسباب العيش، ويخلقون الفتن
والاضطرابات باستمرار..
أمام هذه الوضعية- وكأن المولى
اسماعيل تدارك خطأه ، وخطر
القبيلتين على المنطقـــــــــــة
يقول الناصري:"...أمر ان تبنى
عليهم قلعة من ناحية الساحل قرينة
وجدة بالموضع المعروف
برقادة، وبعد بنائها أمر القائد
العياشي أن ينزل بها خمسمائة فارس
من اخوانه يمنعونهـــــــم
النزول الى بسيط تريفة ، ثم أمر
ان تبنى قلعة اخرى بطرف بلادهم
بالعيون، وينزل القائـــد
المذكور خمسمائة من اخوانه أيضا
،وأمر ان تبنى قلعة ثالثة
بطرف بلادهم على ملويــــة
وينزل بها نفس ما أنزل بالقلعتين
المذكورتين، وجعل للقائد العياشي
المذكورالنظر في القلاع
الثلاث،وهو بوجدة في ألف فارس،
وكانوا في الدفتر 2500 جندي "
أ
بنيت
القلعة-القصبة-لأسباب
أمنية، اذ أصبحت تشكل مع القلعتين
الأخريين حزاما أمنيا لحماية سهول
المنطقة الشرقية المحيطة بمدينة
وجدة، وأصبحت قصبة عين الركادة
أيضا مركزا أمنيا يحمي قبائل بني
منقوش الشمالية لتمارس نشاطاتها
الفلاحية والرعوية بسهول "تريفة"
الممتدة من القصبة في اتجاه
الشمال،وكذا الشرق الى حدود قبائل
بني خالد،وغربا الى حدود قبائل
بني عتيق.
يرجح ان
تكون القلعة قد بنيت سنة 1090هـ
موافق 1679 م او بعدها بقليل، لأن
هذه السنة هي السنة التي تم فيها
نقل قبائل الزرارة والشبانات الى
المنطقة الشرقية،وبعد ان خاضت في
الفتن أمر المولى اسماعيل ان تبنى
عليهم القلعة.
شيدت
القصبة على الأرض الواقعة شرق عين
الركادة ميلا الى جهة
الشمال،ويبعد جدارها الغربي عن
العين بحوالي خمسين مترا،تزيد
قليلا او تنقص.وهي مربعة الشكل
حسب بعض معالم جدرانها
المتبقية،وركام أتربة أسوارها
المحطمة المتراكمة على بعض
جنباتها، يتراوح طول كل ضلع من
اضلاعها بين خمسين الى ستين مترا.
كان
للقصبة باب واحدة مواجهة للجهة
الجنوبية،كما يروي بعض الشيوخ ممن
أدرك جل اسوار القصبة قائمةفي
بدايات القرن العشرين.وقد اختير
لها ذلك الموقع لبنائها،حتى تكون
في منأى عن فيض العين حين تنهمر
مياهها،فلم تبن جهة الشمال او
الشمال الغربي،وكذا جهة الجنوب،
لأن بعضها معرض لفيضانات العين ،
والبعض الآخر لاستحالة وصول الماء
اليه،فكانت الجهة المختارة
تجنب القصبة فيضانات
العين،وتمكنها من وصول الماء
اليها بكيفية يسهل التحكم
فيها،وبناء القصبة في هذا المكان
دون غيره مرتبط بالعين،عنصر
الحياة،التي توفر الماء مدرارا
ايام الخصب وتهاطل الأمطار..
يتبع
--------------------------------
(1)
و (2) : من مقال"معالم في ذاكرة
بطوية وقلعية " للاستاذ مصطفى
الغديري -مجلة
جمعية
تاريخ المغرب-وجدة-العدد 2-السنة
2-محرم 1415هـ -يونيه 1994. ص: 54
|